شهد المغرب خلال السنوات الماضية، لاسيما خلال العقد الأخير، تزايدًا مقلقًا في أعداد المهاجرين غير النظاميين، خاصة من دول أفريقيا جنوب الصحراء، سواء باعتبارهم المغرب مجرد نقطة للعبور نحو الضفة الأوروبية أو اعتباره بلدًا آمنًا وصالحًا للاستقرار.
وتأتي هذه الهجرة نتيجة لعدة عوامل وأسباب تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، ولعل من أبرزها البطالة والفقر المدقع والاضطهاد وغياب الأمن والإستقرار والصراعات السياسية وغيرها.
وفي ظل هذه الظروف المزرية، يضطر الآلاف من المهاجرين والمهاجرات إلى قطع آلاف الكيلومترات عبر الصحراء الكبرى وما تشمله من مخاطر الموت جوعًا أو عطشًا أو التيه في عمق الصحراء أو الازدحام الشديد الذي يؤدي إلى تساقط بعضهم وإصابة بعضهم الآخر، بل وحتى موتهم أحيانًا أخرى. فضلاً عن المخاطر التي يمكن التعرض لها أثناء اتخاذهم لقوارب مطاطية من أجل العبور للضفة الأخرى، من انقلاب للقوارب أو ضياعها وعدم وصولها للوجهات المقصودة.
ويرجع سبب اختيار المغرب كمجال خصب للهجرة من طرف المهاجرين غير الشرعيين من دول العمق الأفريقي إلى اعتبارات عدة, أبرزها وأهمها حسب ورقة بحثية أعدها الباحثان في قضايا الهجرة واللجوء عبد الحميد جمور ومبارك أوراك من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، تلك المتعلقة بالجغرافيا السياسية للمملكة المغربية من حيث قربها للضفة الأوروبية، إلى جانب العلاقات الدبلوماسية المتميزة التي تربط الرباط مع عدة دول أفريقية.
كما جاء ضمن الورقة البحثية أن التحولات النوعية التي حدثت على خريطة الهجرة نحو المملكة أفرزت واقعا جديدا حول البلد من بلد عبور فقط إلى فضاء للاستقرار.
فضلا عن ذلك، فإن سعي المغرب نحو تعميق علاقته مع المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا يفرض عليه الالتزام بالبروتوكولات الخاصة بالحرية في التنقل وحقوق الإقامة والإستقرار كشرط أساسي لقبول عضويته بالمجموعة، وهو نفس الأمر بالنسبة لاستحقاقات تنفيذ اتفاقية منطقة التبادل التجاري القاري الأفريقي (ZLECAF) التي تنص على ضمان الحق في تنقل الأشخاص بين الدول الأعضاء.
وتدخل نسبة كبيرة من المهاجرين من دول جنوب أفريقيا إلى المغرب عبر المنافذ الشرقية بطريقة غير نظامية، خاصة من دول مثل الكاميرون وسيراليون ونيجيريا وغينيا بيساو، في حين تدخل الدول التي تربطها علاقات استراتيجية مع المغرب، مثل السنغال وكوت ديفوار والنيجر، بشكل قانوني إلى التراب الوطني دون الحاجة إلى تأشيرة دخول.
كل هذه الأسباب وغيرها تجعل المغرب قبلة لأفواج جديدة من المهاجرين الراغبين في الاستقرار به أو محطة توقف في انتظار توفر فرص للعبور نحو الضفة الأوروبية.
وحسب مصادر إحصائية متعددة، فإن عدد المهاجرين غير النظاميين في المغرب أخذ في الإرتفاع مع مرور كل سنة، حيث صرحت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 14 ألف مهاجر يدخلون المغرب سنويًا، في حين أن أكثر من 120 ألف مهاجر عبروا للمغرب ما بين 2015 و2023.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن السلطات المغربية قد تصدت ما بين 2019 إلى مطلع 2024 لحوالي 366 ألف محاولة للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، مع تسجيل أرقام قياسية سنة 2023 بإحباط أكثر من 75 ألف محاولة للهجرة، بزيادة قدرها حوالي 6 بالمائة مقارنة بسنة 2022. كما أحبطت أكثر من 54 ألف و15 محاولة للهجرة غير النظامية منذ بداية عام 2024، إضافة إلى تمكن الأجهزة الأمنية من تفكيك 177 شبكة إجرامية متورطة في تهريب المهاجرين والنسبة في تزايد مستمر.
ويتوقع البنك الدولي أن تتسبب الكوارث الطبيعية وتفاقم وضعيات عدم الإستقرار السياسي والأمني في خضم موجة جديدة من الانقلابات والصراعات في نزوح حوالي 86 مليون شخص بحلول سنة 2050 في منطقة الساحل والصحراء.
وحسب تقرير الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (frontex)، فإن حالات الهجرة غير النظامية عبر مسالك البحر الأبيض المتوسط تزايدت مرحليا بنحو 41.6 بالمائة سنة 2018 مقارنة مع سنة 2008، بنسبة 4 بالمائة من تحركات الهجرة غير النظامية التي تتجه نحو أوروبا عبر الطرق البرية والبحرية لغرب البحر الأبيض المتوسط، معظمها جاءت من أفريقيا جنوب الصحراء لتنطلق من المغرب.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن وزارة الداخلية المغربية إلى تسجيل أكثر من 78.685 محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2024، ويشكل المهاجرون من العمق الأفريقي حوالي 58 بالمائة منها، مما يؤكد الضغط الأمني الكبير الذي تتحمله المملكة المغربية، خاصة في المناطق الشمالية والحدودية، مما يفرض تكثيف المراقبة الأمنية والرفع من جاهزية الأجهزة المختصة بما يواكب التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.
وبالرغم من المجهودات القانونية والسياسية التي أطلقتها السلطات المغربية منذ 2013 في إطار السياسة الجديدة للهجرة، إلا أن هذه الهجرة غير النظامية لا تزال تفرز إشكالات متنامية تمس الأمن العام والسلم المجتمعي والإقتصادي، إذ أسفرت هذه الظاهرة عن بروز شبكات تهريب إجرامية متعددة الجنسيات تنشط في مجالات الإتجار بالبشر واستغلال القاصرين وتزوير الوثائق، وتشكل هذه الشبكات تهديدا مباشرا للأمن القومي، مما يتطلب تعاونا أمنيا وقضائيا مكثفا بين المغرب ودول العبور والمنشأ.