الحويطي : هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على المواهب الإبداعية؟

أصوات نيوز /
في كل مرة يطل علينا اختراع جديد، يبدأ الإنسان بالسؤال نفسه: هل سيأخذ هذا الجديد مكاننا؟
حدث ذلك عندما ظهرت الآلة، ثم الحاسوب، ثم الإنترنت، واليوم يتكرر السؤال بصورة أكثر إلحاحًا مع صعود الذكاء الاصطناعي:
هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على المواهب الإبداعية؟
سؤال يبدو في ظاهره مخيفًا، لكنه في جوهره يفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى الإبداع نفسه.
هل الإبداع مجرد كلمات مرتبة؟
هل القصيدة مجموعة أبيات يمكن توليدها في ثوانٍ؟
هل الرواية حروف متجاورة؟
هل اللوحة مجرد ألوان توضع في أماكنها الصحيحة؟
أم أن خلف كل عمل إبداعي روحًا وتجربة وذاكرة وشعورًا لا يمكن اختصارها في خوارزمية؟
هنا تبدأ الحكاية.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب نصًا، ويقترح فكرة، ويرسم صورة، ويؤلف لحنًا، ويعيد صياغة عشرات الصفحات في لحظات. يستطيع أن يمنح المبدع أدوات لم تكن متاحة له من قبل، وأن يختصر ساعات طويلة من العمل.
لكن هناك سؤالًا آخر أكثر أهمية:
هل يستطيع أن يعيش التجربة التي يكتب عنها؟
هل يعرف معنى أن يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا؟
هل يشعر بارتجافة اللقاء الأول؟
هل يعرف وجع الغربة، ودفء الوطن، ومرارة الخذلان، وفرحة النجاح بعد سنوات من التعب؟
قد يستطيع أن يصف كل ذلك ببراعة، لكنه لا يعيشه كما يعيشه الإنسان.
وهذه، في رأيي، هي المسافة التي لا تزال تفصل الآلة عن الموهبة الإنسانية.
المبدع الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك لوحة مفاتيح، ولا الشاعر يكتب لأنه يعرف كيف يركب القافية.
المبدع يكتب لأنه شعر.
يكتب لأن في داخله شيئًا يريد أن يقوله، ولأن تجربة مرت به تركت أثرًا لا يهدأ إلا حين تتحول إلى كلمة أو صورة أو لحن.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي قد ينافس الإنسان في سرعة الإنتاج، لكنه لا يستطيع أن يلغي الحاجة إلى الإنسان الذي يمنح العمل معناه.
المشكلة إذن ليست في الذكاء الاصطناعي وحده.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتخلى المبدع عن صوته، ويطلب من الآلة أن تفكر بدلًا منه، وتشعر بدلًا منه، وتكتب بدلًا منه.
عندها لا يكون الذكاء الاصطناعي قد قتل الموهبة، بل يكون صاحب الموهبة قد سلّمها بنفسه.
أما من يعرف قيمة موهبته، فسوف ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة.
لن يراه عدوًا، بل أداة.
مثلما استخدم الفنان الكاميرا دون أن يتوقف عن الرسم، واستخدم الكاتب الحاسوب دون أن يتوقف عن الكتابة، سيستخدم المبدع الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل عن روحه.
قد تساعدك الآلة في البحث، لكنها لا تستطيع أن تمنحك تجربتك.
قد تساعدك في ترتيب أفكارك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك صوتك الخاص.
قد تقترح عليك مئات الصور، لكنها لا تعرف أي صورة تشبه قلبك.
وقد تكتب لك ألف جملة، لكن الجملة التي ستبقى في ذاكرة القارئ هي تلك التي خرجت من تجربة صادقة.
لذلك لا أخشى على الإبداع من الذكاء الاصطناعي بقدر ما أخشى على الإبداع من الاستسهال.
فالزمن القادم لن يكون بالضرورة زمن اختفاء المواهب، وإنما قد يكون زمنًا تصبح فيه الموهبة الحقيقية أكثر قيمة.
لأن الجميع سيتمكن من إنتاج المحتوى، لكن ليس الجميع سيتمكن من إنتاج المعنى.
سيصبح بإمكان كثيرين كتابة قصيدة، لكن من يستطيع أن يجعل القارئ يشعر أنه وجد نفسه بين أبياتها؟
سيصبح بإمكان الجميع تقريبًا إنتاج صورة جميلة، لكن من يستطيع أن يصنع صورة تحمل حكاية؟
سيصبح إنتاج الكلمات أسهل، ولذلك ستصبح الكلمة الصادقة أصعب وأثمن.
وربما تكون المفارقة الأجمل أن الذكاء الاصطناعي، بدل أن يقضي على الموهبة، قد يدفع الموهوبين إلى البحث عن شيء أعمق:
أن يكون لهم صوت لا يشبه الآلة.
أن يكتبوا ما لا يستطيع الآخرون كتابته.
أن يحولوا تجاربهم الإنسانية إلى أعمال لا تعتمد قيمتها على عدد الكلمات، بل على مقدار ما تتركه في القلب.
في النهاية، التكنولوجيا تتغير، والأدوات تتطور، لكن الإنسان سيظل يبحث عن الإنسان داخل الفن.
سيظل القارئ يريد أن يعرف من وراء الكلمات.
وسيظل يبحث في القصيدة عن قلب شاعر، وفي الرواية عن روح كاتب، وفي اللوحة عن عين فنان.
فالآلة قد تصنع نصًا مذهلًا، لكنها لا تملك حياة تعيشها ثم تعود منها بحكاية.
ولهذا أقول:
لا، الذكاء الاصطناعي لن يقضي بالضرورة على المواهب الإبداعية.
لكنه سيضعها أمام اختبار جديد.
اختبار الأصالة.
وفي هذا الاختبار، لن ينتصر من يكتب أكثر، ولا من يستخدم أحدث الأدوات، وإنما من يملك شيئًا لا يمكن نسخه بسهولة:
صوته الخاص، وتجربته الخاصة، وإنسانيته.
فالمستقبل ليس للإنسان وحده، ولا للآلة وحدها…
بل للإنسان الذي يعرف كيف يستخدم الآلة، دون أن يسمح لها بأن تصبح صوته.
أبو صافي الحويطي
كاتب وشاعر سعودي
