فصل جديد من ملاحم العرش والشعب

أصوات نيوز/
ذ. حكيم القبابي
الزمان : الجمعة 31 أكتوبر 2025
المكان : مقر الأمم المتحدة بنيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية
الحدث: قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) الذي يدعم مقترح الحكم الذاتي في الصحراء
شهدت ليلة أمس حدثا تاريخا سيسجل بماء من ذهب في كتب التاريخ و سيخلد في ذاكرة المغاربة إلى الأبد, فمباشرة بعد تصويت مجلس الأمن على قرار الشرعية وقرار تأكيد مغربية الصحراء, خرج المغاربة بالأمس في كل القرى والمدن المغربية فرحين مبتهجين بنهاية فصل من فصول كفاح العرش والشعب, و ليزداد زخم الفرح وروعة الحدث بالخطاب الملكي السامي الذي ألقاه عاهل البلاد.
أية نخوة علوية هذه ؟ أي نبل هذا يجعلك منتصرا وتمد يدك للمهزوم ؟ أي كرم وشرف يدعوك للم شمل العاقين والمغرر بهم من أبناء الوطن ؟ تخيلوا لو كانت النتيجة معكوسة ؟ ماذا سنرى؟ تشفي وسخرية الآخرين, حقد وغل وبؤس في المشاعر وكراهية سوداء.
إن ما ورد في الخطاب الملكي ليس إلا انعكاس طبيعي لتربية الملوك , ولروح الملك الطيبة ورحابة صدره ورجاحة قراراته , وقدرته الكبيرة على استيعاب كل المواقف بعقلانية وبصيرة, وهو ليس بالأمر الأمر الغريب عن ابن الراحل الملك الحسن الثاني الذي استمات طويلا على واجهات متعددة و ضد العديد من الأعداء الذين حاولوا زعزعة استقرار البلاد وتقسيمها في وقت عصيب.
إن القرار الأممي ليس وليد الصدفة او الحظ أو تعاطف الآخرين, بل هو نتيجة رؤية ملكية حكيمة انطلقت منذ تولي صاحب الجلالة عرش البلاد, وخطة عمل مدروسة بأذرع مختلفة (سياسية, اقتصادية , ديبلوماسية … ) استمرت لسنوات عديدة من العمل الاستراتيجي المبني على التعاون الوطيد بين كل المتدخلين في عالم متجدد ومتطور.
فأقدام العاهل المغربي حطت في العديد من الدول وصافح وحاور العديد من المسؤولين وغير قناعاتهم , وبعدها تأتي زيارات عديدة للدبلوماسيين المغاربة في كل دول العالم لحشد الدعم للشرعية المغربية وتوضيح قوة المقترح المغربي, لتؤتي كل هذه المجهودات ثمارها يوم 31 أكتوبر 2025.
ينتابني سؤال منطقي, بعد نهاية هذا المسار الشاق والطويل , ماذا استفادت الجزائر من 50 سنة من نزاع مفتعل أضاع الوقت لكل دول المنطقة وأضاع فرصا عديدة للتنمية والتعاون والتطور؟ ماذا استفادت الجزائر من سنين من الحرب المباشرة وغير المباشرة ؟ ما ذنب العدد الكبير من الموتى من الجانبين خلال سنوات الحرب؟ وعوض استنزاف الملايير الطائلة في قضية خاسرة منذ البداية ألم يكن الشعب الجزائري أولى بها؟ هدر للأرواح وللزمن وللموارد وللطاقات كأنها سراب حقيقي لكنه من صنع البشر.
أتمنى صادقا أن يطوى هذا الملف بشكل نهائي ويفتح عهد جديد بين دول المنطقة المغاربية أساسه التفكير العقلاني والمنطقي لما فيه صالح المنطقة المغاربية, وعنوانه التعاون الحقيقي والتضامن الفعلي و نسيان الماضي والتوجه نحو مستقبل الشعوب.
أدعو نفسي وأدعوكم للتأمل في الخطاب الملكي السامي , انظروا للتفاصيل , لاحظوا دقة الأسلوب وتأملوا جمالية الشكل وافهموا عمق المضمون , هي وثيقة تاريخية يجب أن تدرس في المعاهد والجامعات المهتمة بالدراسات السياسية وبالعمل الديبلوماسي :
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
قال تعالى “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”. صدق الله العظيم .
شعبي العزيز،
بعد خمسين سنة من التضحيات، ها نحن نبدأ، بعون الله وتوفيقه، فتحا جديدا، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء، والطي النهائي لهذا النزاع المفتعل، في إطار حل توافقي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي.
وإنه من دواعي الاعتزاز، أن يتزامن هذا التحول التاريخي، مع تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، والذكرى السبعين لاستقلال المغرب.
وبهذه المناسبة، يسعدني أن أتقاسم معك اليوم، مشاعر الارتياح، لمضمون القرار الأخير لمجلس الأمن.
إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده.
لقد حان وقت المغرب الموحد، من طنجة إلى لكويرة، الذي لن يتطاول أحد على حقوقه، وعلى حدوده التاريخية.
شعبي العزيز، لقد قلت في خطاب سابق، أننا انتقلنا في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير.
فالدينامية التي أطلقناها، في السنوات الأخيرة، بدأت تعطي ثمارها على جميع الأصعدة.
ذلك أن ثلثي الدول بالأمم المتحدة، أصبحت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي، هي الإطار الوحيد لحل هذا النزاع.
كما أن الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة، على الأقاليم الجنوبية عرف تزايدا كبيرا، بعد قرارات القوى الاقتصادية الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، وروسيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بتشجيع الاستثمارات والمبادلات التجارية مع هذه الأقاليم.
وهو ما يؤهلها لتصبح قطبا للتنمية والاستقرار، ومحورا اقتصاديا بمحيطها الجهوي، بما في ذلك منطقة الساحل والصحراء.
واليوم ندخل، والحمد لله، مرحلة الحسم على المستوى الأممي، حيث حدد قرار مجلس الأمن المبادئ والمرتكزات، الكفيلة بإيجاد حل سياسي نهائي لهذا النزاع، في إطار حقوق المغرب المشروعة.
وفي سياق هذا القرار الأممي، سيقوم المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة، لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق.
ولا يفوتنا هنا، أن نتقدم بعبارات الشكر والتقدير لجميع الدول، التي ساهمت في هذا التغيير، بمواقفها البناءة، ومساعيها الدؤوبة، في سبيل نصرة الحق والشرعية.
وأخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة صديقنا فخامة الرئيس دونالد ترامب، الذي مكنت جهوده من فتح الطريق للوصول إلى حل نهائي لهذا النزاع.
كما نشكر أصدقاءنا في بريطانيا وإسبانيا، وخاصة فرنسا، على جهودهم من أجل نجاح هذا المسار السلمي.
ونتوجه أيضا بجزيل الشكر لكل الدول العربية والإفريقية الشقيقة، التي ما فتئت تعبر عن دعمها، الدائم واللامشروط، لمغربية الصحراء، وكذا مختلف الدول عبر العالم، التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي.
ورغم التطورات الإيجابية، التي تعرفها قضية وحدتنا الترابية، يبقى المغرب حريصا على إيجاد حل لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف.
فالمغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصارا، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات.
وفي هذا السياق، نوجه نداء صادقا، لإخواننا في مخيمات تندوف، لاغتنام هذه الفرصة التاريخية، لجمع الشمل مع أهلهم، وما يتيحه الحكم الذاتي، للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية، وفي تنمية وطنهم، وبناء مستقبلهم، في إطار المغرب الموحد.
وبصفتي ملك البلاد، الضامن لحقوق وحريات المواطنين، أؤكد أن جميع المغاربة سواسية، لا فرق بين العائدين من مخيمات تندوف، وبين إخوانهم داخل أرض الوطن.
ومن جهة أخرى، أدعو أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، لحوار أخوي صادق، بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، تقوم على الثقة، وروابط الأخوة وحسن الجوار.
كما نجدد التزامنا بمواصلة العمل، من أجل إحياء الاتحاد المغاربي، على أساس الاحترام المتبادل، والتعاون والتكامل، بين دوله الخمس.
شعبي العزيز،
إن ما تعرفه أقاليمنا الجنوبية من تنمية شاملة وأمن واستقرار، هو بفضل تضحيات جميع المغاربة.
ولا يسعنا هنا، إلا أن نعبر عن اعتزازنا وتقديرنا، لكل رعايانا الأوفياء، لاسيما سكان أقاليمنا الجنوبية، الذين أكدوا على الدوام، تشبثهم بمقدسات الأمة، وبالوحدة الوطنية والترابية للبلاد.
كما نشيد بالجهود الدؤوبة، التي تبذلها الدبلوماسية الرسمية والحزبية والبرلمانية، ومختلف المؤسسات الوطنية، من أجل الطي النهائي لملف وحدتنا الترابية.
ونغتنم ذكرى المسيرة الخضراء الخالدة، لنستحضر بكل إجلال وتقدير، التضحيات الجسيمة، التي قدمتها القوات المسلحة الملكية، والقوات الأمنية، بكل مكوناتها، وعائلاتهم بمختلف مناطق البلاد، طيلة خمسين سنة الماضية، في سبيل الدفاع عن وحدة الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره.
كما نترحم على الأرواح الطاهرة لمبدعها، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، وكل شهداء الوطن الأبرار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته “.

