[ Before Header ] [ Desktop ]

[ Before Header ] [ Desktop ]

OCP 29-7-2025
[ Before Header ] [ mobile ]

[ Before Header ] [ mobile ]

OCP 29-7-2025

ظاهرة السحر والشعوذة بالمغرب امتداد لأنثروبولوجيا ثقافية وتاريخية

الانتشار الواسع الذي تشهده ظاهرة السحر والشعوذة داخل المجتمع المغربي منبعه الخوف من الحاضر والمستقبل

تعد ممارسة السحر والشعوذة في المغرب قضية معقدة، وتشكل امتدادًا لأنثروبولوجيا ثقافية وتاريخية، تطورت بمرور الزمن حتى أصبحت مصدرًا اقتصاديًا لمجموعة من المشعوذين والسحرة.

فهذه الظاهرة الإجتماعية لم تعد تقتصر اليوم فقط على فئة دون أخرى، بل توسعت لتشمل مختلف الفئات الإجتماعية والعمرية، والتي دائمًا ما تلجأ لأعمال السحر والشعوذة كوسيلة لتجاوز مشكلات الحياة العصيبة.

ويلجأ أيضا أصحاب المناصب العليا لهذا النوع من الممارسات ظننا منهم أنهم سيحافظون على عملهم وامتيازاتهم، والأخطر في الأمر هو الأشخاص الذين يسلكون هذا الطريق بغرض إلحاق الأذى بالآخرين.

ولعل هذا الانتشار الواسع الذي تشهده ظاهرة السحر والشعوذة داخل المجتمع المغربي منبعه الخوف من الحاضر والمستقبل، أو رغبة في تغيير الواقع إلى الأحسن، أو تفسيرا لظواهر خاصة.  كما يمكن ربطه بالعديد من النواحي الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والدينية والسياسية، وغيرها التي تتداخل فيما بينها فتنتج تفاقم هذه الظاهرة المؤذية للفرد والمجتمع.

ومن أبرز هذه الأسباب والعوامل نذكر نقص الوعي الديني الصحيح وغياب التفكير النقدي والعقلاني، مما يجعل بعض الأفراد عرضة للخرافات والأوهام، وتأثير الثقافة الشعبية والمعتقدات الخرافية.

كما يمكن أن يدفع اليأس وفقدان الأمل بعض الأفراد إلى السحر والشعوذة كوسيلة للهروب من الواقع المرير والبحث عن حلول سريعة لمشاكلهم، خاصة في ظل الظروف الإقتصادية والإجتماعية الصعبة. فضلًا عن التأثير الاجتماعي، إذ باتت هذه الظاهرة تعرف انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الإجتماعي بشكل عام، مما يشجع الآخرين على تقليدها.

ومن منظوره، يؤكد المتخصص بعلم الإجتماع معاذ بن نصير، أن العوامل المباشرة لتنامي ظاهرة ارتياد السحرة مختلفة، لعل أبرزها العوامل الشخصية التي تتعلق بالفرد نفسه الذي يلجأ إلى هذه الأساليب لحل مشكلاته.

ويضيف: “يجب ألا ننسى العوامل الاجتماعية، كدور الأسرة وتنشئة الفرد على مثل هذه الممارسات والخرافات، وزرع قيم التلاعب والربح السريع والطرق المختصرة لنيل المبتغى. وعلينا الإقرار بأن ممارسة السحر والشعوذة تتخطى الفئات المجتمعية الهشة أو ذات المستوى التعليمي المحدود، والملاحظ حاليًا تنامي هذه الظاهرة لدى المتعلمين وأصحاب المهن الراقية نوعًا ما”.

ويختم بالقول: “لعل ضعف التركيبة الذهنية للفرد في المجتمع، وأزمة القراءة من بين الأسباب الأخرى لارتفاع الظاهرة. لقد أضحى الشباب مهتمين بالإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعية والعالم الافتراضي، وأصبحوا لا يقرأون الكتب التي هي خزان حقيقي وأصيل للمعلومات”.

ويعد السحر مصدرًا سريعًا للثراء، إذ يجعل المشعوذ أو الساحر، أو أيًا كانت التسمية ممن يمارسون هذه الأفعال، متمرسا في جلب الزبائن وإقناعهم بالعودة عدة مرات وإنفاق مبالغ طائلة من المال على أمل فرج قريب، خصوصًا مع الوعود المتكررة والتعلل في أحيان كثيرة بغلاء أسعار البخور والمواد المستعملة في تلك الخلطات العجيبة.

كما تفنن السحرة والمشعوذون في ممارسة طقوسهم الشاذة، ومتطلباتهم الغريبة وتعاويذهم العجيبة من أجل جلب عدد أكبر من الزبائن. ومن بين أشهر أساليب السحر التي يستعملها السحرة السحر الأسود أو “التراجيم”، والذي يصرف خلاله الفقيه حسب معتقداتهم قدراته الخاصة على إنزال عقاب بشخص ما أو أسرة عبر تسخير الساحر لجني كخادم عنده لمعاقبة أحدهم. ومنه أيضًا أسحار المحبة لجلب الحبيب أو إخضاعه، فيجري استعمال مكوّنات غريبة فيها تبعث على الاشمئزاز في النفوس، على غرار إعداد وجبة كسكس برأس كلب، أو مكونات أخرى لعلاج العقم وطًرد الجن المتلبّس والساكن في أجساد الزبائن. والسحر الأبيض، والذي يقوم حسب معتقدهم بمعالجة النحس وغيرها من الأفعال الشيطانية المؤدية للنفس والغير.

وتتجلى المشكلة الكبرى في أن نتائج هذه الممارسات تحمل أضرارًا كثيرة ومتنوعة، وقد يؤدي اتباعها إلى تعميق المشكلات الإجتماعية، من قبيل تفكك الأسر والمجتمعات بسبب الخلافات والشكوك، وتزايد جرائم القتل والابتزاز والاغتصاب التي قد تكون مرتبطة بالسحر والشعوذة. فضلًا عن الأضرار النفسية والاقتصادية من خلال استنزاف الأموال والموارد المالية للأفراد الذين يلجؤون إلى المشعوذين بحثًا عن العلاج أو غيره.

وفي إطار الحديث عن أعمال السحر والشعوذة وعلاقتها بالقانون، أكدت ليلى ضالع، دكتورة في القانون الخاص ومستشارة قانونية، أن القانون المغربي لم يحدد مفهوم السحر والشعوذة في التشريعات المقارنة، كما لم يتم تجريمه بشكل واضح ومباشر. مضيفةً، “وفي التشريع المغربي نجد نصًا وحيدًا وهو الفصل 609 من مجموعة القانون الجنائي والذي يجرم مثل هذه الأفعال ولكن على استحياء، حيث نص في فقرته 35 على أنَّ مَن احترف التكهّن والتنبؤ بالغيب أو تفسير الأحلام يعاقب بغرامة تتراوح بين 100 و120 درهمًا، ويُعدُّ هذا الفعل مخالفةً من الدرجة الثالثة”.

وبنظرنا إلى الجرم مقارنة بالعقاب، يلاحظ أنه يعتبر مخالفة من الدرجة الثالثة، وبالتالي عقوبته لا ترقى إلى حجم وقوة آثاره على المجتمع والأفراد.

بشكل عام، يبقى المجتمع المغربي أمام تحدٍ كبير في مواجهة هذه الظاهرة، التي تضع بين أيدي الناس مفاهيم غير علمية قد تهدد صحتهم وحياتهم الإجتماعية، مما يستدعي تضافر الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعية للحد من انتشارها، من قبيل نشر الوعي الديني الصحيح وتحذير الناس من خطورة السحر والشعوذة ومخالفة تعاليم الدين الإسلامي، وتنظيم حملات توعية حول أهمية الصحة النفسية والعقلية وكيفية التعامل مع المشاكل بطرق صحيحة، ونشر الوعي والمعرفة وتشجيع التفكير النقدي والعقلاني بين الشباب، وتطبيق القوانين بصرامة على من يمارسون السحر والشعوذة ويتسببون في الأذى للآخرين.

من جهتها، بدأت السلطات المغربية خطوات لتوعية المواطنين بخطورة هذه الظواهر، مع إطلاق حملات ضد المتاجرين بالسحر والشعوذة، ومحاولة تعزيز الوعي الصحي والنفسي لمواجهة هذه التحديات.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.