كيف انهار الخطاب الراديكالي الجزائري أمام التحولات الدولية في ملف الصحراء ؟

أصوات نيوز-متابعة
يشهد ملف الصحراء المغربية خلال الأشهر الأخيرة تحولات سياسية ودبلوماسية لافتة، في ظل مؤشرات متزايدة على تغير تدريجي في طريقة تعاطي الجزائر مع هذا النزاع الإقليمي، خاصة بعد التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، التي حملت نبرة مختلفة مقارنة بالمواقف التقليدية التي ظلت الجزائر تتبناها لسنوات.
وفي هذا السياق، عبرت الجزائر رسميا عن ترحيبها بما وصفته بـ”المسار التفاوضي” الجاري تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، والهادف إلى إيجاد حل سياسي للنزاع حول الصحراء. ويأتي هذا الموقف في ظرفية دولية دقيقة تتسم بتنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي وواقعي للملف.
وأكد وزير الخارجية الجزائري أن بلاده تشارك في هذا المسار بصفتها “دولة مجاورة وملاحظا”، إلى جانب موريتانيا، في محاولة للإبقاء على الطرح الجزائري التقليدي الذي يعتبر أن النزاع يقتصر على المغرب وجبهة البوليساريو. غير أن الانخراط الجزائري في هذا المسار السياسي الجديد، والحديث عن مفاوضات ترعاها واشنطن إلى جانب الأمم المتحدة، يعكس تحولا ضمنيا في موقع الجزائر داخل القضية.
ويأتي هذا التطور بعد صدور القرار الأممي رقم 2797 عن مجلس الأمن الدولي في أكتوبر 2025، والذي دعا بشكل واضح الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع، وهي المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا، إلى مواصلة الانخراط في العملية السياسية بهدف الوصول إلى حل دائم وواقعي ومتوافق عليه.
ومنح القرار الأممي الأخير زخما إضافيا للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، بعدما عزز حضورها داخل النقاش الأممي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع، خاصة في ظل تزايد عدد الدول الداعمة للمقترح المغربي، والذي بات يحظى بتأييد أكثر من 130 دولة عبر العالم، بينها قوى دولية وازنة.
كما تزامنت التصريحات الجزائرية الجديدة مع تغير نسبي في خطاب الرئيس عبد المجيد تبون، الذي بدا أكثر تحفظا في حديثه الأخير عن الملف، مكتفيا بالإشارة إلى وجود “مسار أممي” دون استعمال اللغة الحادة التي ميزت مواقفه السابقة تجاه المغرب ومبادرة الحكم الذاتي.
ويأتي هذا التحول في الخطاب الجزائري بالتزامن مع التطورات الدولية المتسارعة التي يشهدها الملف، خاصة بعد المواقف الأمريكية الأخيرة التي شددت على ضرورة الدفع نحو حل سياسي سريع، مع التأكيد على دعم خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما شكلت الإدانة الأمريكية للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، والمنسوب إلى جبهة البوليساريو، نقطة مفصلية في مسار التعاطي الدولي مع النزاع، حيث اعتبرت واشنطن أن مثل هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية، وهو موقف انضمت إليه لاحقا عدة دول غربية من بينها فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة.
ويبدو أن الجزائر، في ظل هذا السياق الدولي الجديد، تحاول تبني خطاب أقل حدة وأكثر انسجاما مع التحولات الجارية داخل مجلس الأمن والأوساط الدولية المؤثرة، خاصة مع تراجع الدعم الدولي للأطروحات الانفصالية، مقابل اتساع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء.
كما أن التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، إلى جانب التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة، تدفع نحو البحث عن حلول أكثر واقعية تضمن الاستقرار الإقليمي وتفتح الباب أمام بناء تعاون مغاربي قادر على مواجهة التحديات المشتركة.

