سبتة ومليلية المحتلتان.. هل تكفي الزيارات الملكية لطمس ذاكرة الأرض؟

أصوات نيوز/
زيارة ملكية تعيد ملف المدينتين المغربيتين المحتلتين إلى الواجهة، وتكشف كيف تحاول مدريد تكريس واقع قائم عبر الرمزية السياسية، بينما يظل مطلب استرجاعهما حاضراً في الذاكرة الوطنية المغربية.
لم تكن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة مجرد محطة بروتوكولية في جدول أعمال رسمي، ولم تكن مشاهد الأعلام الإسبانية والهتافات التي رافقت وصوله مجرد احتفال عابر. فعندما يحط ملك إسبانيا الرحال في مدينة مغربية محتلة، تتحول الزيارة إلى رسالة سياسية تتجاوز حدود الاستقبال والمصافحات، لتعيد طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية: قضية سبتة ومليلية، المدينتين المغربيتين اللتين لا تزالان تحت الاحتلال الإسباني.
إن القضية لا تتعلق بقدرة ملك على زيارة مدينة، ولا بعدد المواطنين الذين يحتشدون لاستقباله، بل بمحاولة تحويل الحضور الرسمي المتكرر إلى مشهد يوحي بأن الملف حُسم نهائياً، وأن مرور الزمن كفيل بإسقاط المطالب التاريخية المغربية. غير أن الأرض لا تفقد هويتها بمجرد تغيير أعلامها، والتاريخ لا يُمحى بتكرار المراسم، كما أن استمرار السيطرة لا يعني بالضرورة نهاية المطالبة باسترجاعها.
استعراض السيادة وتعبئة الداخل
كلما حضرت المؤسسة الملكية الإسبانية في سبتة ومليلية المحتلتين، تجاوزت الزيارة حدود التواصل مع السكان لتتحول إلى مناسبة لتأكيد ارتباط المدينتين بالدولة الإسبانية. ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة في سياق سياسي تتداخل فيه ملفات الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب مع حسابات الأحزاب الإسبانية وتنافسها الداخلي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة فيليبي السادس باعتبارها رسالة إلى الداخل الإسباني، تؤكد من خلالها مدريد استمرار تمسكها بالمدينتين، وتسعى إلى إظهار حضورهما ضمن أولويات الدولة ومؤسساتها لكن ما الذي يستطيع هذا الاستعراض أن يغيره فعليا ؟
يمكن للملك أن يصافح الحشود، وأن يتجول في الشوارع، وأن يقف أمام الكاميرات محاطاً بالأعلام الإسبانية، كما تستطيع المؤسسات الرسمية أن تكرر خطابها بشأن ما تعتبره سيادة إسبانية على المدينتين. غير أن كل ذلك يظل تعبيراً عن موقف مدريد، ولا يشكل في حد ذاته تسوية للخلاف التاريخي والسياسي مع المغرب.
فالقضايا المرتبطة بالأرض لا تُحسم بالمشاهد التلفزيونية، ولا تتحول إلى حقائق متفق عليها لمجرد أن الطرف المسيطر يحتفل بوجوده فيها. وبين واقع تفرضه السيطرة ومطلب مغربي يستند إلى الذاكرة التاريخية والوطنية، تظل سبتة ومليلية عنواناً لملف لم يختفِ من العلاقات بين البلدين.
إن الإشكال لا يكمن في الاحتفال نفسه، بل في الاعتقاد بأن تكرار الزيارات الرسمية قادر على إغلاق ملف تاريخي مفتوح، أو تحويل الأمر الواقع إلى نهاية لا تقبل النقاش. فالحضور الإسباني قد يؤكد موقف مدريد، لكنه لا يلغي الموقف المغربي، ولا يجعل القضية خارج دائرة الاهتمام الوطني.
ذاكرة 2007 تعود إلى الواجهة
ليست زيارة فيليبي السادس سابقة في مسار التوتر بشأن المدينتين المغربيتين المحتلتين. ففي سنة 2007، فجّرت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية أزمة دبلوماسية مع الرباط، التي عبّرت عن رفضها للخطوة واستدعت سفيرها لدى مدريد للتشاور.
لقد كشفت تلك الأزمة أن ما تعتبره إسبانيا ممارسة عادية لسلطتها، ينظر إليه المغرب باعتباره مسألة تمس قضية وطنية وتاريخية. وظل الملف حاضراً في خلفية العلاقات الثنائية، حتى خلال الفترات التي شهدت تطوراً في التعاون الأمني والاقتصادي والتنسيق بشأن الهجرة.
واليوم، تعود الزيارة الملكية إلى الواجهة في سياق مختلف، لكنه لا يخلو من الحسابات السياسية. فمدريد تدرك أهمية إظهار حضورها في المدينتين، خصوصاً في ظل النقاشات الداخلية بشأن الحدود والهجرة، فيما يظل المغرب معنيّاً بمواصلة الدفاع عن موقفه، من دون تجاهل المصالح الاستراتيجية التي تجمعه بجارته الشمالية.
وهنا تظهر معادلة دقيقة: التعاون بين البلدين لا يعني اختفاء الخلافات، وحسن الجوار لا يقتضي التخلي عن القضايا الوطنية، كما أن التمسك بالمطالب التاريخية لا يستلزم الانزلاق إلى تصعيد دائم.
إن العلاقات المغربية الإسبانية أوسع من زيارة ملكية، وأعمق من أن تختزل في صورة أو تصريح. غير أن الشراكة، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها إلغاء الملفات العالقة، ولا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتجاهل قضية سبتة ومليلية المحتلتين.
فالمغرب الذي تربطه بإسبانيا مصالح متعددة، يظل متمسكاً بحقه في الدفاع عن قضاياه الوطنية والتاريخية. وهذه المعادلة تفرض على الطرفين إدارة خلافاتهما بواقعية، مع إدراك أن الشراكة المستدامة لا تقوم على افتراض اختفاء الملفات الحساسة، بل على التعامل معها بمسؤولية.
الجغرافيا المغربية لا تمحوها الأعلام
تقع سبتة ومليلية على الساحل الشمالي للمغرب، وتحيط بهما الجغرافيا المغربية من جهة البر، بينما تطلان على البحر الأبيض المتوسط. وهذه الحقيقة الجغرافية تمنح القضية بعداً يتجاوز الخطابات السياسية المتبادلة، وتفسر استمرار حضورها في الوعي الوطني المغربي.
فالجغرافيا ليست شعارا انتخابيا، والتاريخ ليس مادة للاستهلاك الإعلامي. كما أن استمرار السيطرة على أرض متنازع بشأنها لا يعني أن الذاكرة المرتبطة بها قد انتهت، أو أن المطالب بشأنها ستختفي بمجرد تكرار الزيارات الرسمية.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن إسبانيا نفسها تتمسك بموقفها بشأن جبل طارق، الذي تديره المملكة المتحدة، وتواصل المطالبة باستعادته. ولا يعني ذلك أن الحالتين متطابقتان قانونياً وتاريخياً، لكنه يكشف كيف تظل قضايا السيادة والأرض حاضرة في حسابات الدول، حتى عندما تتشابك المصالح وتجمعها شراكات واسعة.
فلماذا يفترض أن يتحول مرور الزمن إلى نهاية للمطلب المغربي، بينما تظل قضايا ترابية أخرى حاضرة في السياسات الرسمية للدول المعنية بها؟
إن استحضار هذه المقارنة لا يحسم الوضع القانوني لأي من الملفين، لكنه يضع خطاب السيادة أمام اختبار الاتساق: فالقضايا الترابية لا تفقد حساسيتها لمجرد أن طرفاً يسيطر على الأرض، ولا تصبح خارج النقاش لأن سلطات الأمر الواقع اعتادت التعامل معها باعتبارها محسومة.
أما الرهان المغربي، فلا ينبغي أن يُختزل في ردود الفعل على زيارة هنا أو تصريح هناك. فالقضايا التاريخية تحتاج إلى نفس طويل، ورؤية دبلوماسية متماسكة، وقدرة على حماية المصالح الوطنية مع الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون.
إن قوة الموقف لا تقاس بعلو الشعارات، بل بوضوح الأهداف واستمرارية الدفاع عنها، وبالقدرة على تحويل الذاكرة التاريخية إلى رؤية استراتيجية لا تخضع لانفعالات اللحظة.
قد يزور فيليبي السادس سبتة اليوم، وقد يتوجه إلى مليلية غداً، وقد ترفع مدريد أعلامها وتكرر خطابها بشأن المدينتين. لكن الزيارة، مهما بلغت رمزيتها، لا تمحو حقيقة أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان، ولا تسقط تمسك المغاربة بحقهما في الذاكرة الوطنية. فالمراسم تنتهي، والصور تختفي، بينما تظل القضية مفتوحة على التاريخ والسياسة والدبلوماسية؛ لأن الاحتفال بواقع قائم لا يعني أن المطالب التاريخية قد انتهت، ولا أن الأرض خرجت من ذاكرة أصحابها.
