فرنسا تترجم اعترافها العملي بمغربية الصحراء على الأرض: افتتاح أول مركز رسمي للتأشيرات في العيون يُنهي التمييز القنصلي ويدشّن عهدًا جديدًا من الشراكة المتكافئة بين باريس وكل جهات المملكة

أصوات نيوز/العيون

في خطوة غير مسبوقة، قام السفير الفرنسي بالمغرب كريستوف لوكورتي بزيارة رسمية إلى مدينة العيون، عاصمة الصحراء المغربية، للإشراف على تدشين أول مركز رسمي لتلقي طلبات التأشيرة نحو فرنسا. هذا الحدث، الذي يمكن وصفه بالتحول التاريخي في المواقف الفرنسية، يكرّس بداية فصل جديد في العلاقات المغربية الفرنسية، قوامه الاعتراف العملي والمباشر بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

وفي مستهل كلمته، عبّر السفير الفرنسي عن مشاعره قائلًا: “جئت هذا الصباح بفرح كبير، وأيضًا بشيء من التأثر، لأتأكد من أن الوعد الذي قطعناه منذ أشهر تم الوفاء به. ابتداءً من اليوم، يمكن لأي ساكن في العيون أو الجهة، أن يضع طلب تأشيرته، أياً كان نوعها، هنا، وبنفس الشروط التي يتمتع بها المواطنون في الدار البيضاء أو الرباط أو أي مدينة مغربية أخرى.”

بهذا التصريح، تُصبح العيون رسميًا جزءًا من شبكة TLS Contact، مما يترجم ميدانيًا إدماج الأقاليم الجنوبية للمملكة في النظام القنصلي الفرنسي، وينهي عقودًا من التمييز الجغرافي والإداري.

وأوضح السفير أن افتتاح المركز ليس مجرد تسهيل لوجستي، بل تجسيد لمبدأ المساواة في المعاملة بين جميع المواطنين المغاربة، قائلًا: “حتى البارحة، كان سكان العيون يضطرون للسفر إلى أكادير لوضع طلباتهم، وهو ما يتطلب أموالاً وإقامة ليلية أحياناً. اليوم، نحن نعاملهم بنفس الشروط مثل بقية المواطنين.”

و بهذا المعنى، يتجاوز الحدث طابعه الإداري، ليأخذ أبعادًا سياسية ودبلوماسية واضحة، تُعبّر عن تحول فعلي في نظرة باريس إلى الأقاليم الجنوبية، ليس كأراضٍ محل نقاش، بل كجزء لا يتجزأ من التراب المغربي.

السفير شدد على الطابع الرمزي للمركز، واصفًا إياه بأنه “أول نافذة نحو فرنسا، وأول اتصال بين المواطن والصورة التي نريد أن نقدمها.” كما تحدث عن الحرص على توفير ظروف استقبال تليق بالمرتفقين، من ملصقات تعريفية، ومقاعد مريحة، إلى خدمات بيومترية عالية الجودة.

وأضاف أن الطلبات التي تُقدَّم في العيون تُنقل إلى المركز القنصلي بالدار البيضاء للمعالجة، ليُعاد جواز السفر ممهورًا بالتأشيرة خلال أسبوعين كحد أقصى، ما يضمن سرعة الخدمة ومهنيتها، مع احترام كامل للمواطَنة الكاملة لسكان الصحراء المغربية.

زيارة السفير الفرنسي لم تقتصر على الجانب القنصلي، بل شملت جولات ميدانية لمنشآت ومشاريع تنموية وثقافية، من بينها مدرسة ثانوية حديثة ستمكّن تلاميذ العيون من اجتياز الباكالوريا محليًا لأول مرة، دون الحاجة للسفر إلى أكادير.

كما أشار إلى قرب افتتاح المركز الثقافي الفرنسي الجديد بالعيون، وزيارة المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) إلى الداخلة، حيث تم الإعلان عن مشاريع تعاون اقتصادي وثقافي جديدة، وهو ما يُكرس حضور فرنسا التنموي بالصحراء المغربية..وقال “الأقاليم الجنوبية أصبحت بالنسبة لنا أفقًا جديدًا للدبلوماسية الفرنسية. لم نعد نعتبرها هامشًا. شركاتنا زارتها، وستعود إليها، والمشاريع بدأت تتجسد ميدانيًا.”

وفي أقوى تصريح خلال زيارته، شدد السفير على أن فرنسا لم تعد تُفرّق في التعامل بين مواطن مغربي من الشمال أو الجنوب، قائلاً: “أردنا أن تكون معاملة ساكن العيون مثل معاملة ساكن الرباط أو الدار البيضاء. نفس الخدمة، نفس الظروف، نفس الشروط، ونفس الحق في طلب التأشيرة نحو فرنسا.”

هذا التصريح يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن باريس انتقلت من المواقف الرمادية إلى سياسة واضحة ومُعلنة، قائمة على مبدأ السيادة المغربية الكاملة على الصحراء. فالرسالة لم تعد ضمنية، بل صريحة، وموجهة إلى جميع المغاربة، كما قال السفير، في إعلان صريح بأن الواقع الجديد يفرض نفسه على الدبلوماسية الفرنسية.

هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أكبر، يتمثل في الاعتراف الفرنسي الرسمي بمغربية الصحراء، الذي جاء تتويجًا لزيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة إلى المغرب بدعوة من جلالة الملك محمد السادس. آنذاك، أكدت باريس دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية، لتنتقل اليوم إلى تفعيل هذا الموقف عبر قرارات ملموسة.

لم تعد فرنسا تعتبر الصحراء المغربية مجرد منطقة نزاع، بل باتت تتعامل معها كفضاء متكامل من التعاون الثنائي، سياسيًا، اقتصاديًا، وقنصليًا. وهو ما يضع حدًا لكل الأوهام التي كانت تراهن على غموض الموقف الفرنسي في الملف.

افتتاح مركز TLS Contact بمدينة العيون ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل خطوة سيادية كبرى، تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، قائمة على الاعتراف العملي بمغربية الصحراء.

فرنسا، بثقلها الدولي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، تُبعث برسالة قوية مفادها أن مغرب اليوم هو مغرب من طنجة إلى الكويرة، وأن التعاون الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالسيادة، ويُبنى على أسس من المساواة والاحترام المتبادل.

شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.