الكلاب الضالة بالمغرب: بين تهديد السلامة ومساعي الحلول الإنسانية

أصوات نيوز/
تشهد الشوارع المغربية انتشارًا واسعًا للكلاب الضالة، حيث تحولت هذه الظاهرة إلى مشكلة يومية تثير الخوف والرعب في أوساط المواطنين، إذ أصبح أغلبهم سواء في القرى أو المدن يعانون من ضغط نفسي كبير جراء النباح الليلي المتواصل، والقلق الذي يرافق الخروج المبكر أو المتأخر، فضلًا عن تكرار الاعتداءات وتزايد الإصابات بداء السعار، ما عمّق الإحساس بالخطر.
حوادث متكررة تكشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على السلامة الجسدية والصحة النفسية ونمط الحياة اليومية للمواطن المغربي. وحسب الإحصائيات التي قدمتها وزارة الصحة والحماية الإجتماعية فإن البلاد تسجل مابين20 و30 وفاة سنويًا بسبب داء السعار، معظمها في صفوف الأطفال.
وأمام هذه الوضعية، أعلن المغرب منذ سنة 2019 عن اعتماد مقاربة “TNR”: (الالتقاط، التعقيم، التلقيح، الإرجاع) المعمول بها في عدة دول، والتي تهدف إلى معالجة ظاهرة الكلاب الضالة وضمان سلامة المواطنين دون اللجوء الى أساليب عنيفة، .
وتنص هذه المقاربة على نقل الكلاب إلى مراكز خاصة، ليتم فحصها طبيًا، ثم تُعقَّم وتُطعَّم، ليُعاد إطلاقها في أماكن نشأتها بعلامات تشير إلى أنها آمنة ولا تشكل خطرًا، وقد افتُتح أول مستوصف للحيوانات في الرباط للتمكن من تطبيق مقاربة TNR، مع خطط لتعميم التجربة في مدن أخرى باعتماد معايير توصي بها منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية لصحة الحيوان.
من جانبها خصصت وزارة الداخلية ما يقارب 70 مليون درهم ما بين 2019 و2024 لتجهيز الجماعات بالمعدات اللازمة لجمع الحيوانات لتطبيق هذه المقاربة، إضافة إلى 40 مليون درهم سنويًا لتوفير اللقاحات المضادة للسعار بالتنسيق مع وزارة الصحة.
كما تعمل الوزارة على تحسين شروط النظافة وحفظ الصحة من خلال دعم الجماعات في إنشاء وتجهيز وتحديث مجازر اللحوم الحمراء، والأسواق الأسبوعية، ومطارح النفايات، التي غالبًا ما تكون مصدرًا لتغذية الحيوانات الضالة.
ويجري العمل على تعزيز الإطار التشريعي من خلال مشروع القانون رقم 19.25، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في يوليوز 2025، والذي جاء استجابة للجدل المجتمعي المتنامي والحوادث المتكررة المرتبطة بهجمات الكلاب الضالة وما ينجم عنها من مخاطر صحية وأمنية، وقد نص هذا المشروع على معالجة ظاهرة انتشار هذه الحيوانات عبر رؤية متوازنة تجمع بين ضمان سلامة المواطنين وصحتهم وتطبيق معايير الرفق بالحيوان. كما يسعى هذا المشروع إلى وضع ضوابط واضحة وشاملة لإدارة هذه الظاهرة بشكل مستدام وإنساني.
ويتضمن مشروع القانون 19.25 عدة بنود رئيسية لتنظيم التعامل مع الحيوانات الضالة، من أبرزها: نظام التصريح الإجباري؛ إذ أصبح من الإلزامي على ملاك وحراس الحيوانات تسجيلها وتحديد التزاماتهم تجاهها، وإنشاء مراكز للرعاية؛ حيث نص المشروع على إحداث نوعين من المراكز؛ الأول عمومي تابع للجماعات المحلية عبر مكاتب حفظ الصحة لتوفير الرعاية اللازمة، والثاني خاص يمكن إنشاؤه بترخيص من الجماعة وفق دفتر تحملات محدد، فضلا عن إنشاء قاعدة بيانات وطنية، وذلك عبر تأسيس نظام وطني لتتبع وتسجيل الحيوانات لتسهيل عمليات المراقبة، علاوة عن تحديد المسؤوليات والعقوبات عبر وضع ضوابط واضحة تحدد الجهات المكلفة بمراقبة تطبيق القانون والعقوبات المترتبة على المخالفات.
ويشدد مشروع القانون على ضرورة التنسيق المنسجم بين كافة المتدخلين من سلطات محلية ومجتمع مدني وقطاع خاص، لضمان تنزيل فعال لمقتضياته. حيث يسعى المغرب إلى بناء سياسة عمومية متكاملة تؤسس لتدبير رحيم لهذه القضية، وتوازن بين متطلبات الصحة العامة وحقوق الحيوان، بما ينسجم مع القيم الإنسانية للمجتمع المغربي والتزاماته الدولية في هذا المجال.
غير انه وعلى الرغم من الجهود المبذولة لمواجهة هذه القضية ما تزال التحديات قائمة، ولعل من أبرزها: ضعف البنية التحتية، والمتمثلة في قلة المراكز المتخصصة في التعقيم والتلقيح، ومحدودية حملات التوعية حول خطورة الظاهرة وأهمية الحلول الإنسانية.
عمومًا فإن معالجة مشكلة الكلاب الضالة في المغرب تحتاج إلى جهود متكاملة من قبل السلطات والمواطنين، والجمعيات المعنية، مع التركيز على الحلول المستدامة التي تضمن صحة وسلامة الجميع، من قبيل إشراك أكبر للمجتمع المدني، وتكثيف الحملات التحسيسية، إلى جانب بناء مراكز إيواء وتعزيز التعاون بين جميع المتدخلين، لتحقيق معادلة متوازنة بين حماية المواطنين والرفق بالحيوان.

