المدرسة العمومية بين طموح التغيير وانتظارات الفاعلين .. بنعبد الله أمام اختبار تنفيذ وعوده الانتخابية لإصلاح التعليم

أصوات نيوز/
بعد تولي نبيل بنعبد الله مسؤولية تدبير وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، عادت وعوده الانتخابية التي رافقت الاستحقاقات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي إلى الواجهة، لاسيما تلك المتعلقة ببناء مدرسة عمومية ذات جودة، تضمن تكافؤ الفرص وتحسين مستوى التعلمات، في قطاع لا يزال يواجه اختلالات بنيوية مرتبطة بالهدر المدرسي والفوارق الاجتماعية والمجالية وضعف المكتسبات التعليمية.
وفي هذا الإطار، تتجه أنظار الشغيلة التعليمية ومختلف مكونات المجتمع إلى الوزير الجديد، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرته على معالجة أعطاب المدرسة العمومية، وترجمة الالتزامات التي قدمها حزبه خلال الحملة الانتخابية إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات الأسر والتلاميذ والأطر التربوية.
وكان حزب التقدم والاشتراكية قد وضع إصلاح المدرسة العمومية في صلب برنامجه الانتخابي، معتبرا أن أزمة التعليم تشكل أحد أبرز التحديات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، في ظل استمرار ضعف اكتساب المهارات الأساسية وارتفاع معدلات الانقطاع عن الدراسة، خاصة في المناطق القروية والأوساط الاجتماعية الهشة.
وخلال الحملة الانتخابية، وجه بنعبد الله انتقادات إلى الحكومة السابقة، متهما إياها بإجهاض مشروع إصلاح المدرسة العمومية بسبب ما وصفه بـ”الجشع المالي”، معتبرا أن السياسات المتبعة خدمت مصالح أوساط تسعى إلى الربح، بدلا من توجيه الاستثمارات العمومية نحو تطوير التعليم العمومي.
كما اعتبر بنعبد الله أن المجهودات الإصلاحية التي بذلت خلال تولي الوزير السابق شكيب بنموسى مسؤولية القطاع لم تستمر، وأصبحت، بحسب تعبيره، “شبه متوقفة”.،وهو تشخيص يضع الوزير الجديد أمام تحدي استئناف الإصلاحات التي انتقد تعثرها، وتقديم بدائل عملية للسياسات التي عارضها حزبه عندما كان في المعارضة.
وفي تصريحاته الانتخابية أيضا، توقف بن عبد الله عند مشروع “مدارس الريادة”، معتبرا أنه يتضمن عناصر إيجابية، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر مرتبطة بإمكانية تكريس نظام تعليمي بسرعتين، من خلال التمييز بين مؤسسات رائدة وأخرى غير رائدة داخل المدرسة العمومية نفسها.
وشدد على أن الهدف ينبغي أن يتمثل في تعميم جودة التعليم على جميع المؤسسات، وليس خلق تفاوتات جديدة بينها، داعيا إلى إعطاء الأولوية للتعليم الأولي، ودعم الأسر المعوزة بمنحة قدرها 1000 درهم عن كل طفل، إلى جانب تحسين أجور المربيات العاملات في هذا القطاع.
وفي هذا الصدد، تبرز التعهدات المرتبطة بتعميم التعليم الأولي وتجويده وتحسين أوضاع العاملين فيه باعتبارها مدخلا أساسيا لتقليص التفاوتات بين الأطفال، وبناء مسار دراسي سليم منذ المراحل الأولى. كما تبرز الحاجة إلى إخضاع ورش “مؤسسات الريادة” لتقييم موضوعي وصارم، يتيح رصد مكامن القوة والاختلالات، وتصحيحها بما يضمن تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابا على مستوى التعلمات ومردودية التلاميذ.
وتمتد هذه الانتظارات إلى معالجة معضلة الهدر المدرسي والصعوبات التي يواجهها تلاميذ الوسط القروي والمناطق النائية، وهي ملفات حضرت ضمن الالتزامات السياسية السابقة، التي شددت على ضرورة تجاوز الحلول الترقيعية، من خلال تقوية البنيات التحتية للداخليات والمطاعم المدرسية، وتوفير النقل المدرسي الآمن، بما يساعد على الحد من الانقطاع عن الدراسة وضمان استمرارية التمدرس.
كما تشمل الوعود المرتبطة بإصلاح القطاع رد الاعتبار لنساء ورجال التعليم بمختلف مستوياتهم وفئاتهم، باعتبارهم ركيزة أساسية لأي إصلاح تربوي، وذلك عبر تحسين أوضاعهم المهنية والمادية، وتعزيز مكانتهم داخل المجتمع، وتوفير الظروف الملائمة للاضطلاع بأدوارهم التربوية والتعليمية.
وتتضمن الالتزامات الانتخابية لحزب التقدم والاشتراكية برنامجاً مالياً وتربوياً طموحاً، يقوم على تعبئة موارد إضافية بقيمة 117 مليار درهم خلال خمس سنوات، ورفع حصة الإنفاق العمومي على التعليم والتكوين والتعليم العالي من 6,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 إلى 7,7 في المائة بحلول سنة 2031.
وبشكل عام، يظل نجاح هذه المرحلة رهينا بمدى القدرة على تحويل الوعود والتصريحات الانتخابية إلى سياسات ميدانية تعالج الاختلالات الهيكلية للمنظومة التعليمية، وتعيد الثقة إلى المجتمع المغربي في المدرسة العمومية وقدرتها على ضمان تعليم جيد ومنصف لجميع التلاميذ.
وبعد انتقال بنعبد الله من موقع انتقاد السياسات التعليمية إلى موقع المسؤولية المباشرة عن تدبير القطاع، أصبحت حصيلة وزارته المقبلة مرتبطة أيضاً بالوعود التي قدمها حزبه للناخبين. كما يجد الوزير الجديد نفسه أمام تحدي تحديد الأولويات، ووضع جدول زمني واضح، وتعبئة الموارد المالية اللازمة لتنفيذ تلك الالتزامات.
وسيكون الاختبار الأول لمدى ترجمة هذه الوعود إلى إجراءات عملية مرتبطاً بكيفية انعكاسها على البرنامج الحكومي والاعتمادات المخصصة لقطاع التعليم في مشروع قانون المالية لسنة 2027، قبل أن يصبح تقييمها رهينا بنتائج قابلة للقياس داخل الفصول الدراسية، وبمدى تحسن ظروف التمدرس وأوضاع التلاميذ والمدرسين.
