منصات التواصل الاجتماعي: تهافت التافهين

أصوات نيوز//
 بقلم: ذ. حكيم القبابي  
أحيانا تأتيني رغبة في هجرة كل وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة التفاهة التي تصادفني ليل نهار، وأحيانا أضطر لغلق الهاتف من كثرة القبح والفراغ الذي ينشر بدون حسيب ولا رقيب، وأحيانا أتمنى لو كان بالإمكان التحكم في كل ما ينشر ومنع البلادة والدناءة التي يتعمد البعض غرسها في العيون والأدمغة.
وترددي نابع من كون هناك استثناءات جميلة ومحتويات مفيدة وفرص عديدة للتعرف على جديد العالم بكبسة زر ولقاءات افتراضية مع عقليات متميزة.
أعرف أن حرية التعبير حق كوني لا حدود له ولا يمكن لأي أحد أن يصادره، لكن مع توالي الفضائح و الهرطقات بل يمكن أن نسميها جرائم زرقاء، أتسائل ما جدوى هذه الحرية إن كانت عبثا وفسادا؟ وهل هذه الحرية صارت وضيعة لدرجة أن كل غبي وغبية بإمكانهم أن يفتحوا هواتفهم ويتحدثون عن كل شيء وعن لا شيء، بدون ضوابط على الأقل أخلاقية،
وصار كل تافه وتافهة يصورون أشياء تتقزز منها النفوس؟ الغريب أن متابعي هؤلاء التافهين كثر، بل يزدادون كل يوم، يضغطون على رز الإعجاب والجرس، وينتظرون الفيديو المقبل بشوق، ويتقاسمونه بدورهم ويروجون له بكل بلادة، إنهم لا يعرفون أنهم يضغطون على الزناد لتخرج رصاصات تدمر روحهم وفكرهم ونظافة عقلهم، ويتأثرون بنماذج وسخة تنزلهم إلى القاع، ويستنسخون منها أمثلة يطبقونها في حياتهم دون وعي.
سكيزوفرينيا غريبة نعيشها اليوم، فالعديد ممن يعجب بهذه المحتوى الوسخ ويتقاسمه مع الآخرين ويتابعه سرا، هو في نفس الوقت من ينتقد صانع هذا المحتوى علنا ويتنكر له لأنه خارج الضوابط الأخلاقية وأنه لا يمثل قيم المجتمع الحقيقية.
أنا لا أصادر حرية التعبير من أي أحد، ولا يمكنني تخيل حياة بدون حريات، لكن ما يقع مؤخرا يجعلنا ندق ناقوس الخطر عن مدى حدود هذه الحريات؟ وعن مدى استعمالها بدون حسيب ولا رقيب؟ وعن مدى استيعاب قيمتها الحقيقية في التواصل والاستفادة؟ قد يقول قائل هناك قانون مغربي يجرم الجريمة الإلكترونية، وتتراوح عقوبة الجرائم الإلكترونية في المغرب الذي ينص عليها القانون الجديد بالسجن ما بين شهر و10 سنوات، وغرامة مالية تتراوح ما بين 2000 دَرْهم ومليوني درهم.
  لكن هل هذا الوازع القانوني كاف لإلجام حمى اللايفات والبوز والبحث عن الشهرة والمال بطرق دنيئة؟ ألا يمكن أن نعبر عن آرائنا وأفكارنا مهما كانت مختلفة ونصور حياتنا بشكل راق وجميل بعيدا عن بهذا الأسلوب البشع؟ امرأة تصور مؤخرتها وهي تقوم بواجباتها المنزلية في روتين يومي بئيس، شاب يحاور البغايا ويتفوه بكلام ساقط وهو في حالة سكر فاضح، وشابة تستعرض ملابس نسائية للبيع مركزة على مفاتن جسدها، وآخر ينتقد موضوعا سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا بسباب وشتائم متواصلة، وأخرى تفضح أسرار حياتها الحميمية، وآخر بلحية يفتي في كل شيء بدون علم ولا منطق.
فوضى عارمة، وعفن متراكم يحتاج لمواد تنظيف فعالة لإزالة هذه القذارة من المجتمع. ألا يمكننا أن نناقش ونطرح كل المواضيع بأسلوب جميل وباحترام، ألا يمكننا أن نوصل أفكارنا وندافع عنها بدون إسفاف ولا انحطاط؟ ألا يشكل هذا خطرا على الأجيال الصغيرة التي صارت تتابع هذه الفظائع بشكل يومي وتتخذها مثال يحتذى به، وصار لأولادنا وبناتنا نماذج وضيعة يحلمون أن يصيروا مثلهم مستقبلا بحكم امتلاكهم لهواتف غبية ولوحات إلكترونية تسممهم نفسيا وجسديا؟ القانون وحده لا يكفي، قد يتم معاقبة كل من تبث في حقه مخالفة بنوده وتجاوز الخطوط الحمراء، لكن لا بد من تفكير جدي وحازم في وضع حد لما يقع في العالم الأزرق، و لنبدأ من أنفسنا عبر هجرة هذه الصفحات والقنوات, والتوقف الفوري و النهائي عن تقاسم محتويات هذه المواقع , والتغاضي عنها عندما تظهر لنا خلال تصفحنا لمختلف منصات التواصل الاجتماعي، و التبليغ عن كل محتوى مناف للأخلاق و القانون , وعلى الآباء والأمهات مراقبة أبنائهم وبناتهم قبل فوات الأوان , بتخصيص وقت محدد لدخول عالم الأنترنت, واختيار دقيق للمحتويات التي يتابعونها, وتمكينهم من وسائل ترفيه و تثقيف أخرى كالكتب واللعب وممارسة الرياضة والرسم والموسيقى وغيرها من الهوايات المفيدة عقلا وجسدا.
  علينا جميعا أن نحارب هذه التفاهات، وأن تشرع عقوبات زجرية صارمة أكثر مما هي عليه الآن، وأن يطبق القانون بشكل حازم وفوري وعلني في حق المخالفين ليكونوا عبرة لغيرهم، لأن خطرهم مستفحل ومتزايد وتأثيرهم جد سلبي على حياتنا ومستقبلنا. و بالمقابل علينا تشجيع كل محتوى جاد و مفيد و نشره على نطاق واسع, والترويج للصفحات و القنوات المتميزة في جميع المجالات لحصر موجة الجفاف الأزرق. أظن أن المارد الأزرق قد خرج من مصباحه وصار ينفث سمومه في كل مكان، ويجب على الجميع تحمل مسؤوليته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالعيون صارت جاحظة والأدمغة فارغة والنفوس متعفنة والأجساد منخورة من الداخل والخارج.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.