[ Before Header ] [ Desktop ]

[ Before Header ] [ Desktop ]

OCP 29-7-2025
[ Before Header ] [ mobile ]

[ Before Header ] [ mobile ]

OCP 29-7-2025

حضور المحامي مع المشتبه فيه، امام الشرطة، من منظور الاتفاقيات الدولية.

أصوات نيوز/

بقلم المصطفى الرميد

تعتبر اللحظة التشريعية لحظة ذات أهمية خاصة، لأنها ينبغي أن تملأ الثغرات بالتتميم، وتصلح العثرات بالتعديل، وتتجاوز ما يستوجب التجاوز، بالنسخ والتغيير.
لذلك يطرح السؤال التالي؛ هل أن قانون المسطرة الجنائية الجديد، غير ما ما يستوجب التغيير، وعدل ما يستوجب التعديل، وأتم ما يستوجب التتميم؟
والجواب العام على ذلك ، هو أن هذا القانون، بالفعل ، لبى الكثير من ذلك، وهو بذلك قانون يستوجب التنويه ، إلا انه ، من جهة اخرى ، لم يستجب لكل ما ينبغي أن يكون، إضافة إلى إحداثه ما كان ينبغي أن لا يكون.
وفي هذه الإطلالة، سنقف على مثال عما كان ينبغي أن يكون، غير أن مشرع المسطرة الجنائية، لم يلتفت إليه بالقدر الكافي، وبالتالي، جعل هذا القانون غير مستجيب لمتطلبات المرحلة، واستحقاقها التشريعي الأساسي.
وفي هذا السياق ، وجبت الإشارة إلى أن ما كان ينبغي الاهتمام به ، هو، أولا،مواءمة التشريع الجنائي المسطري مع النص الدستوري ، ثم ، ثانيا، مع الاتفاقيات الدولية ،كما صادق عليها المغرب ، إضافة إلى إنجاز ما تقتيه الحاجة التشريعية الوطنية ،بناء على معطيات تطور الجريمة، وسبل معالجتها .
وفي هذا الإطار، ليس هناك من موضوع يفرض نفسه على كل مشرع مادة المسطرة الجنائية، اهم من موضوع وضعية المشتبه فيه، حين مثوله أمام الشرطة القضائية، وشروط استجوابه من قبلها، ومدى مصداقية المحاضر المنجزة اثر ذلك.
وجدير بالذكر أن الموضوع لا يهم فقط حماية حقو ق الناس وحرياتهم، من أي تجاوز ، فضلا، عن توفير اهم ضمانات المحاكمة العادلة ، من منطلق الأهمية القصوى للمحاضر أمام المحاكم الزجرية.
إن الموضوع، تمتد أهميته لتلامس مصداقية المؤسسة الأمنية، وبالتالي، السمعة الحقوقية للدولة، مع ما يترتب عن ذلك من نتائج متباينة.
وهكذا،فانه بقدر ما يمكن أن يسجل من تجاوزات على صعيد البحث في إنجاز المحاضر، بقدر ما ينبغي استحضار احتمال الادعاء الكاذب بحق هذه المحاضر، وبالتالي في حق المؤسسة التي عهد إليها القانون بإنجازها.
لذلك ، فان من مصلحة الوطن أولا، والمواطن ثانيا، استحضار ما يلي:
أولا، أن الدستور قرر في الفصل 120 ،أن ( لكل شخص الحق في محاكمة عادلة )..
فهل يا ترى، يمكن الجزم بان المحاكمة العادلة تتحقق بناء على محاضر ينكر المتهمون صدور التصريحات المنسوبة اليهم بها، وهي التي أنجزت في ظروف لا يمكن الجزم بمصداقيتها؟
إن الموضوع يستفز الضمير الحقوقي بقوة، فمن جهة ، هنآك إنسان كان في ظروف صعبة، وليس من المستبعد أن يكون ثمة صدقية لإنكاره للتصريحات المنسوبة إليه، في الوقت الذي لا يستطيع إثبات صحة هذا الإنكار ، أوكونه تعرض للتعذيب أو المعاملة غير اللائقة، كما يدعي البعض في العديد من الأحيان،ومن جهة اخرى، هناك مؤسسات أمنية، تقوم بواجبها بمهنية واحترافية طبقا للقانون، ومع ذالك ، يعمد العديد من المتهمين إلى إدعاء التعذيب، أو ما شابه، للإفلات من العقاب.

ثانيا، إن الدستور نص في التصدير على ( جعل الاتفاقيات الدولية ،كما صادق عليها المغرب ، وفي نطاق أحكام الدستور ،وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها ،على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه هذه المصادقة ).
ان الاتفاقيات الدولية التي تهمنا في هذا السياق ، هي ثلات اتفاقيات ،تعتبر من اهم الاتفاقيات التي تنتمي إلى ما يسمى بالنواة الصلبة للمارسة الاتفاقية، وذلك كما يلي:
1) اتفاقية العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

إن المغرب قام بعد مصادقته على اتفاقية العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بنشرها بالجريدة الرسمية بتاريخ 21ماي 1980، غير أن المدقق في هذه الاتفاقية، لا يجد نصا صريحا بشان وجوب حضور المحامي مع المشتبه فيه أمام الشرطة القضائية، لكن،وكما هو معلوم ، فان هذه الاتفاقية نصت على اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية ، التابعة للأمم المتحدة، وهي اللجنة التي تتلقى تقارير الدول بشان مستوى احترامها لالتزاماتها التعاقدية بشان هذه الاتفاقية.
ان هذه اللجنة، في تعليقها رقم 13في الدورة 22لسنة 1984 ، أشارت بشكل عام الى موضوع الاتصال بالمحامي، لكنها طورت تفسيرها للمادة 14 الفقرة 3 (ز ) بمقتضى عدة بلاغات، ومن ذلك البلاغ رقم 1769/2008، بشان قضية بونداى ضد اوزباكستان، حيث قالت ( بانتهاك الفقرتين 3(ب)و ( د)من المادة 14، لأنه لم تتح للضحية إمكانية الاتصال بمحام أثناء خضوعها للاستجواب ، وحرمت من حقها في الاستعانة بمحام من اختيارها )، واستنتجت اللجنة، (انه وقع انتهاك قائم بداته للفقرة3(ز) بسبب انتزاع الاعترافات تحت التعذيب.).
وقد تم تأكيد هذا الرأي في البلاغ الموجه من قبل الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، إلى الحكومة المغربية رقم 40/2012 بتاريخ:28 فبراير2012.
كما صدرت عدة أراء في هذا الاتجاه ، من ذلك ما ورد في الرأي المعتمد من قبل الفريق نفسه في دورته96بتاريخ5ابريل 2023، حيث نص على ما يلي:( تنص المادة 14 (3)(ب) و (د)من العهد ، على انه يحق لكل شخص مسلوب الحرية أن يستعين بمحام يختاره بنفسه في أي وقت وأثناء الاحتجاز ، بما في ذلك بعيد اعتقاله ، وعلى أن تتاح هذه الاستعانة، من دون تأخير . والحرمان من حق الفرد في الاستعانة بمحام ينتهك مبدا تكافؤ وسائل الدفاع، والحق في إن تستمع إليه محكمة مستقلة حيادية ، تكفلهما المادة 14(1)و(3)(ه) من العهد).
إن تأكيد هذا التأويل للمادة المذكورة، يضع الدول المصادقة على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، أمام مسؤولية جسيمة، ودقيقة ، تستوجب لا محالة ،ملاءمة تشريعها مع هذا التفسير الواسع للعهد ، حتى لا تقع تحت طائلة بلاغات تقرر التعسف في اعتقال أصحاب الشكاوي امام اللجان والأليات المختصة كما سيتأكد ذلك فيما ياتي.

2) اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية … ، والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري.

لقد صادق المغرب على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية…، في 1993/6/21، و تم نشرها في الجريدة الرسمية بتاريخ 1996/12/19، كما صادق على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، في2013/5/14 ،ونشرها بالجريدة الرسمية، بتاريخ 2014/02/10، وقد قرر بناء على ذلك الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، رأيا في البلاغ رقم2012/40 قال فيه ما يلي: ( والقضية محل النظر تتعلق بشخص تم توقيفه واتهامه ومحاكمته وإدانته بالاستناد إلى اعترافات انتزعت منه تحت التعذيب، ولم يستفد هذا الشخص من مؤازرة محام أثناء خضوعه للاستجواب، وتراجع المتهم عن اعترافاته فور حصوله على استشارة قانونية، واستندت غدانته حصرا إلى ما ادلى به من أقوال.)
كما اكد الفريق العامل المذكور في دورته73بتاريخ 4 سبتمبر 2015، على انه،( يخلص الفريق العامل الى ان السيد (….) الذي اتهم في المشاركة في عمل ارهابي ، قد خضع للاحتجاز السري وللتعذيب ،دون ان يستعين بمحام، ووقع اعترافات لم يطلع عليها ، واستخدمت لاحقا لادانته… ).
كما ورد ضمن الآراء التي اعتمدها الفريق المذكور، راي تحت رقم2013/19 ، قرر فيه الآتي :(إن لجنة مناهضة التعذيب ، أعربت في ملاحظاتها الختامية، عن قلقها ازاء العديد من اداعاات التعذيب ، وإساءة المعاملة التي يرتكبها ضباط الشرطة…عندما يحرم الاشخاص من ممارسة الضمانات القانونية الأساسية مثل الاستعانة بمحام…).
كما انه ورد في الرأي المقدم في الدورة 64بتاريخ 31.27 غشت2012 مايلي: ( وختاما، يؤيد المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، او العقوبة القاسية، الراي القائل انه: لاينبغي لاي بيان بالاعتراف تم الحصول عليه من شخص محروم من حريته ، باستثناء مايتم الاعتراف به في حضور قاض او محام، ان يكون ذا قيمة اثباتية في المحكمة…)..
ان هذه الاراء والبلاغات وغيرها، التي وصلت حد التواثر ، تجعل كل دولة ، اذا لم يقرر تشريعها حق المشتبه فيه في الاستعانة بمحام ، وعدم الحضور الفعلي لهذا الاخير، سببا للقول بالاحتجاز التعسفي والتعذيب ، وذلك بناء على اي ادعاء، حتى ولو كان مجردا، يصدر عن المشتكي امام اللجان والاليات الاممية المعنية، وبالتالي المطالبة باطلاق سراح المشتكي وتعويضه، كما وقع في العديد من الحالات ، بالنسبة للمغرب، كما باقي الدول.
ذلك ان هذه المؤسسات، تعتبر انه متى ادعى شخص الاجتحاز التعسفي ، او التعذيب، فانه مصدق في ادعااته، حتى ولو كانت غير صحيحة في الواقع،الا إذا اثبتت الدولة عكس ذلك، وان من جملة القرائن المعتمدة في تصديق ادعاات المشتكي ،غياب حضور المحامي، خلال مرحلة استجواب الشخص المعني.
لذلك ، فان مشرع المسطرة الجنائية، اذ لم يضع في الاعتبار مقتضى البلاغات الاممية، بشان حضور المحامي، اثناء استجواب الشرطة للاشخاص، فانه يجعل التشريع المغربي غير متلائم مع اتفاقيات دولية اساسية، ويعرض المؤسسة الامنية للاتهام بالتعسف والتعذيب وسوء المعاملة ، بل يعرض القضاء المغربي ايضا ، لشبهة عدم انجاز المحاكمة العادلة إذا استندت الى محضر انجز في غياب المحامي ، وهو مايعتبر اساءة بليغة للسمعة الحقوقية الوطنية..
لقد قبل المغرب التحدي، بالترشح لاحتضان نهائيات كاس العالم في كرة القدم ، سنة 2030، ويسعى ليكون في مستوى شركائه ، اسبانيا والبرتغال، من حيث التنظيم ، والبنى التحتية، وغيرها…
لذلك، فان الامل كبير، في ان يعمل المغرب ، بنفس الروح والعزيمة، على اقتحام هذه العقبة، من خلال تشريع مقتضيات جديدة، تلبي استحقاقات الملاءمة الاتفاقية اللازمة، في هذا الموضوع، ولو بالنص على فترة انتقالية ، من الان،الى غاية سنة 2030، لتاهيل المؤسسات المعنية، لتكون قادرة على الاستجابة لهذا التحدي، تحدي حضور المحامي خلال مرحلة استجواب المشتبه فيه.
ولا اشك لحظة في انها قادرة، باذن الله، على ذلك، كما عودتنا في مناسبات متعددة، والله الموفق


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.